محمد جمال الدين القاسمي
369
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
والكاذب والعالم والجاهل والبرّ والفاجر . ولم يكن فرق بين ما يصلح الناس من الأعمال ما يفسدهم وما ينفعهم وما يضرهم . وهؤلاء المشركون المحتجون بالقدر على ترك ما أرسل اللّه به رسله من توحيده ، والإيمان به ؛ لو احتج به بعضهم على بعض في سقوط حقوقه ومخالفة أمره ، لم يقبله منه . بل كان هؤلاء المشركون يذم بعضهم بعضا ويعادي بعضهم بعضا ويقاتل بعضهم بعضا على فعل من يريد تركا لحقهم ، أو ظلما . فلما جاءهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعوهم إلى حق الله على عباده وطاعة أمره ، واحتجوا بالقدر . فصاروا يحتجون بالقدر على ترك حقّ ربهم ومخالفة أمره ، بما لا يقبلونه ممن ترك حقهم وخالف أمرهم . وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه : أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : يا معاذ بن جبل ! أتدري ما حقّ اللّه على عباده ؟ حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا . أتدري ما حق العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك ؟ حقهم عليه أن لا يعذّبهم « 1 » . فالاحتجاج بالقدر حال الجاهلية الذين لا علم عندهم بما يفعلون ويتركون إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ وهم إنما يحتجون به في ترك حق ربهم ومخالفة أمره ، لا في ترك ما يرونه حقا لهم ولا في مخالفة أمرهم . ولهذا تجد المحتجين والمستندين إليه من النساك والصوفية والفقراء والعامة والجند والفقهاء وغيرهم ، يفرّون إليه عند اتباع الظن وما تهوى الأنفس . فلو كان معهم علم وهدى لم يحتجوا بالقدر أصلا . بل يعتمدون عليه ، لعدم الهدى والعلم . وهذا أصل شريف ، من اعتنى به علم منشأ ، الضلال والغيّ لكثير من الناس . ولهذا تجد المشايخ والصالحين المتبعين للأمر والنهي ، كثيرا ما يوصون أتباعهم بالعلم بالشرع . فإن كثيرا ما يعرض لهم إرادات في أشياء ومحبة لها . فيتبعون فيها أهواءهم ظانين أنه دين اللّه تعالى . وليس معهم إلى الظن والذوق والوجدان الذي يرجع إلى محبة النفس وإرادتها . فيحتجون تارة بالقدر وتارة بالظن والخرص . وهم متبعون أهواءهم في الحقيقة . فإذا اتبعوا العلم ، وهو ما جاء به الشارع صلى اللّه عليه وسلم خرجوا عن الظن وما تهوى الأنفس ، واتبعوا ما جاءهم من ربهم وهو الهدى . كما قال تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى [ طه : 123 ] ، وقد ذكر اللّه تعالى
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التوحيد ، 1 - باب ما جاء في دعاء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى ، حديث 1371 ، وأخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث رقم 50 .